الجنيد البغدادي

73

رسائل الجنيد

من أوطان الدنيا وزهرتها ، وودعوا شهوات النفس وراحاتها ، وارتحلوا من إرادة الدارين ولذائذهما ، ارتحالا لا يحطون رحالهم إلا بقربه ، فهم قد نزعوا ثواب الغفلة من قلوبهم ، ثم إنهم يتزرون بمئرز الرشاد ، ويرتدون بأردية الوداد ، ويحرمون من صحبة العباد ، ويلبون بصحبة الفؤاد ، ويصعدون على عرفات صدر المراد ، ويطوفون بقدم الصدق والصفا قرب الملك الجواد ، فعند ذلك غابت عنهم العباد ثم البلاد ثم الرقاد ، فيا لهم من قوم استقاموا على بساط التحقيق بقدم الإخلاص والتصديق منفردين بالملك الشفيق بلا خلق ولا نفس ولا تعاليق ، ثم يا لهم من قوم قصدوا محبوبهم ومرادهم يقتلون أنفسهم بسيف اشتياقه ، ثم يطرحونها على فرش وداده يغسلونها بماء حيائه ويحنطونها ويعطرونها ببهائه ثم يكفنونها بكفن لطفه ويتزرونها بمئزر شفقته ، ثم يضعونها على سرير ولايته ، ويحملونها على أعناق ذكر آلائه ونعمائه ، ثم يسلمونها إلى أيدي حكمه وقضائه ، ثم يدفنونها في مقابر قربه ومؤانسته ، ثم يالهم من قوم اتكلوا على اللّه في جميع الحالات واستغنوا به عن الخلق في جميع الأوقات وافتقروا إليه في جميع الإيرادات ، ولم يلتفتوا منه إلى الراحات والشهوات واللذات وعلموا أن لا ملجأ ولا منجى ولا مفر منه إلا إليه ، ثم يالهم من قوم قصدوا إليه لشوقهم إليه لا لعطائه ، وقربوا منه لوصلته لا لجزائه ، وعبدوه على محبته لا لبره وثوابه ، ثم يا لهم من قوم قصدوا اللّه بقدم الحياء والخشية والحرمة ، واتزروا بمئزر دوام الخدمة ، وارتدوا بأردية ذكر المنة وأحرموا من فعال أهل الغرة ، ولبوا بتلبية الشوق والإنابة ، وصعدوا على عرفات الفقر والفاقة وطافوا بقدم الصدق حول وصال رب العزة ، فهم بأجنحة الشوق منه إليه طائرون وبالكلية منه إليه قاصدون ، وبنور المعرفة منه إليه ناظرون ، ومن شمامات أنسه يشمون ، وبمراوح امتنانه يتروحون ، وبكأس الود من شراب الزلفى يشربون ، وبقرب القريب وبمناجاة الحبيب يتلذذون ، فألم الفراق أنحل أبدانهم ونار الشوق أحرقت أكبادهم ، وملاقاة الحبيب غاية مرادهم . معاشر إخواني ليس كل أحد يحتمل صفة القاصدين ونعتهم ، ولا كل قلب يستحق مواصلة اللّه تعالى وقربه ، ولا كل بشر يؤذن لها بالدخول عليه ، فلو أن الناس اطلعوا على قلوب القاصدين عند هيجان الاشتياق لعاينوا من العجائب ما بهتوا فكيف لو اطلعوا على قلوبهم حين يؤذن لهم بالدخول عليه ، وترفع الحجب